ابن عربي
249
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
العرب ، فقاتلهم ، فهزمهم أبرهة ، وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به ، فلما همّ بقتله قال له نفيل : لا تقتلني ، فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يدان لك على قبيلتي خثعم شهران وناهس بالسمع والطاعة . فخلّى سبيله ، فخرج به معه يدلّه ، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عرف بن ثقيف في رجال ثقيف ، فقالوا : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك ، سامعون لك ، مطيعون ، وليس لك عندنا خلاف ، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد ، يعنون اللّات والعزّى ، إنما تريد البيت الذي بمكة ، ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم . فبعثوا معه أبا رغال يدلّه على الطريق إلى مكة ، وفي ثقيف يقول ضرار بن الخطاب الفهري لما فعلت هذا : وقرب ثقيف إلى لاتها * بمنقلب الخائب الخاسر فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمّس ، فلما أنزله به مات أبو رغال ، فرجمت قبره العرب ، فهو قبره الذي يرجم بالمغمّس ، وهو الذي قال فيه جرير بن الخطفاء : إذا مات الفرزدق فارجموه * كما ترمون قبر أبي رغال فلما نزل أبرهة بالمغمّس ، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة ، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم ، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها . فهمت قريش وكنانة وخزاعة وهذيل ومن كان في الحرم بقتاله ، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك . وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة ، وقال : اسأل عن سيد هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له : إن الملك يقول لكم : إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا إلى الحرب والقتال فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فائتني به . فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل له : عبد المطلب بن هاشم ، فجاءه ، فقال له ما أمره به أبرهة . فقال عبد المطلب : واللّه ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت اللّه الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام ، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلّ بينه وبينه فو اللّه ما عندنا دفع عنه . فقال حناطة : فانطلق معي إليه ، فإنه أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا ، حتى دخل عليه وهو في مجلسه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غنى فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غنى عند رجل أسير بين يدي ملك ينتظر أن يقتله بكرة وعشية ؟ ما